يرصد الكاتب كمال طبيخة من القاهرة كيف تغيّرت ملامح رمضان في مصر خلال الأعوام الأربعة الماضية، إذ تقلصت كميات «ياميش رمضان» والمكسرات والفواكه المجففة في البيوت والأسواق، وحلّت محلها حصص أصغر وبدائل أرخص، بينما انتقل كثيرون من صدمة غلاء 2022 إلى حالة من التعايش العملي مع واقع جديد، دون أن يتخلوا عن فكرة أن الشهر يمكن أن يظل مبهجاً حتى لو بدا مختلفاً عن رمضانات الطفولة.
تشير ذا ناشيونال إلى أن الاستعدادات الرمضانية ما زالت تخلق موجة شراء معتادة للطعام والحلوى والزينة مع موائد الإفطار والتجمعات، لكن مصريين كثيرين يقولون إنهم اعتادوا أجواء أكثر تقشفاً بعد سنوات من بناء عادات إنفاق أكثر حذراً.
رفاهيات أقل.. وبدائل أرخص
تقول بيانات صادرة عن الغرف التجارية في مصر هذا الأسبوع إن أسعار بعض أساسيات رمضان ارتفعت بنحو 25% مقارنة بالعام الماضي، ومن بينها الفول السوداني وجوز الهند. وفي السنوات الأخيرة، أخذت هذه الأصناف مكان المكسرات المستوردة مثل الكاجو واللوز والفستق، بعدما قفزت أسعارها إلى مستويات تتجاوز قدرة معظم الأسر.
وتراجع أيضاً ما كان شائعاً من تبادل الحلويات بين الجيران ليلاً. وتبدو منافسات العائلات على «كنافة» مبتكرة و«قطايف» و«خشاف» أقل حضوراً، إذ يكتفي كثيرون بإعداد هذه الحلويات مرات قليلة خلال الشهر، مع حفظ المكونات الأغلى للمناسبات ولمّات العائلة الكبيرة.
وسط ذلك، يظهر مزاج جديد أقرب إلى الواقعية: بدلاً من الشكوى اليومية من الأسعار، يختار البعض إعادة توجيه اهتمامه إلى المعنى الروحي للشهر. تنقل الصحيفة عن «أم صالح» (63 عاماً) من عين شمس قولها إنها سئمت من تحويل رمضان إلى ساحة تذمر مستمر، وتؤكد أنها ستتجنب شراء الياميش هذا العام لكنها تصرّ على رمضان «طيب» يقرّبها من الله ويجمعها بأهلها.
المقاطعة على السوشيال.. والأرقام تعقّد الحكاية
رغم هذا التحول، لا تختفي كلفة الطعام من النقاش العام. خلال الأيام الماضية، تصدّر وسم #Boycott_Yameesh منصات مصرية، واتهم مستخدمون تجاراً بإبقاء الأسعار مرتفعة رغم تحسن الجنيه أمام الدولار خلال الأشهر الثلاثة الماضية. ودفعت منشورات كثيرة باتجاه اتهامات بـ«المغالاة»، خصوصاً بعدما أظهرت مقارنات بين أحياء القاهرة فروق أسعار وصلت إلى 75% بين مناطق ميسورة وأخرى أقل دخلاً.
لكن بيانات الغرف التجارية تقدّم صورة أكثر تعقيداً: انخفضت مبيعات الياميش بنحو 30% خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة مقارنة بالعام الماضي، ما يعكس عزوف أسر كثيرة عن شرائه أصلاً. وتقول البيانات إن الانخفاض كان أشد بين الأسر الشابة التي لم تعد تنظر إلى أوعية الياميش كضرورة رمضانية ثابتة.
وفي مفارقة لافتة، ترتفع واردات المكسرات والفواكه المجففة بنحو 30% مقارنة بالعام الماضي، وفق الغرف التجارية أيضاً. وترتفع كلفة الاستيراد من تركيا—التي تزوّد مصر بجزء كبير من المخزون—بنسب تتراوح بين 40% و50% بسبب التضخم هناك وارتفاع النفقات التشغيلية، وهو ما يضغط على الأسعار حتى مع تغيرات سعر الصرف.
مبادرات حكومية.. و«رمضان على قد الإيد»
تطلق الحكومة، في مواجهة الغلاء، حزمة خطوات لتخفيف العبء. أعلنت وزارة التموين افتتاح أكثر من 30 ألف منفذ «أهلاً رمضان» بخصومات بين 20% و30% على السلع، إلى جانب منافذ تخفيضات تديرها القوات المسلحة.
داخل أحد منافذ «أهلاً رمضان» في مدينة نصر، تشتري يمنّة السيد (46 عاماً) كميات صغيرة من المكسرات لاستخدامها بحساب في الحلويات. تقول إن الخصومات تساعدها على الإبقاء على جزء من التقاليد، وإنها ستصنع «حلوين تلاتة» بشكل محدود أسبوعياً: تزيد الزبيب والبلح وتقلل المكسرات، وتغرق الكنافة في الشربات… فتصير «حلوة برضه».
وفي المقابل، يشير التقرير إلى أن أسعار بعض الأساسيات شهدت هذا العام انخفاضاً ملحوظاً؛ إذ تراجعت أسعار الفول والعدس والحبوب بنسب وصلت إلى 30% مقارنة بالعام الماضي. وتوضح يمنّة أن «الأكل الحقيقي» أهم من الياميش والحلويات، وتلفت إلى أن أسعار البصل والطماطم والفول والأرز والعدس صارت أقل، لذلك يقلّ التوتر حول غلاء الياميش. ويذكر التقرير أيضاً أن أسعار التمر والزبيب من الفئات غير الفاخرة تراجعت بنحو 20%، وأن الأرز—كعنصر يومي—صار أرخص بنحو 30% عن رمضان الماضي.
التجار تحت الضغط.. وإيقاع أهدأ
يرد بعض التجار بأنهم يدفعون ثمن «حملة تشويه» إلكترونية، ويؤكدون أن السلع الأعلى جودة تكلف أكثر، بينما تبدو السلع الأرخص في المنافذ الحكومية أحياناً من مخزون قديم. ويقرّ أحد التجار في هليوبوليس بأن الطلب يتراجع منذ سنوات، ويلاحظ هذا العام تراجعاً مفاجئاً حتى مع ثبات أسعار كثير من المستوردات تقريباً.
يخلص التقرير إلى أن القاهرة تعيش هذا العام «إيقاعاً أهدأ»: أقل صخباً في الشكوى، وأكثر ميلاً للتكيّف. تظل الزينة والفوانيس والمسلسلات الرمضانية جزءاً من المشهد، لكن رفاهيات كثيرة تتقلص، ويشعر البعض أن هذا التقشف يعيد رمضان إلى جوهره: بساطة أكثر… وامتنان أكبر.
https://www.thenationalnews.com/news/mena/2026/02/19/from-abundance-to-adaptation-egyptians-adjust-ramadan-traditions-to-match-harder-times/

